الشنقيطي
229
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد جاء بعد قوله : فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ( 3 ) [ البينة : 3 ] ، أي مستقيمة بتعاليمها . وقد نص تعالى على أن القرآن أقومها وأعدلها كما في قوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] ، وقال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً [ الكهف : 1 - 2 ] ، فنفى عنه العوج ، وأثبت له الاستقامة . وهذا غاية في القوامة كما قدمنا من قبل ، من أن المستقيم قد يكون فيه انحناء كالطريق المعبد المستقيم عن المرتفعات والمنخفضات ، لكنه ينحرف تارة يمينا وشمالا مع استقامته ، فهو مع الاستقامة لم يخل من العوج . ولكن ما ينتفي عنه العوج وتثبت له الاستقامة ، هو الطريق الذي يمتد في اتجاه واحد بدون أي اعوجاج إلى أي الجانبين ، مع استقامته في سطحه . وهكذا هو القرآن ، فهو الصراط المستقيم ، ولذا قال تعالى : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ الملة القيمة ، قيمة في ذاتها ، وقيمة على غيرها : ومهيمنة عليه ، وكقوله : ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [ يوسف : 40 ] ، وقوله : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الأنعام : 161 - 163 ] . تنبيه إن في هذه الآية ردا صريحا على أولئك الذين ينادون بدون علم إلى دعوة لا تخلو من تشكيك ، حيث لم تسلم من لبس ، وهي دعوة وحدة الأديان ، ومحل اللبس فيها أن هذا القول منه حق ، ومنه باطل . أما الحق فهو وحدة الأصول ، كما قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ [ البينة : 5 ] ، وأما الباطل فهو الإبهام ، بأن هذا ينجر على الفروع مع الجزم عند الجميع ، بأن فروع كل دين قد لا تتفق كلها مع فروع الدين الآخر ، فلم تتحد الصلاة في جميع الأديان ولا الصيام ، ونحو ذلك . وقد أجمع المسلمون على أن العبرة بما في القرآن من تفصيل للفروع والسنة ، تكمل تفصيل ما أجمل . وهنا النص الصريح بأن ذلك الذي جاء به القرآن هو دين القيمة ، وأن القرآن